النويري

35

نهاية الأرب في فنون الأدب

وأقبلت عائشة فيمن معها حتّى انتهوا إلى المربد [ 1 ] ، فدخلوا من أعلاه ، ووقفوا حتّى خرج عثمان بن حنيف فيمن معه ، وخرج إلى عائشة من أهل البصرة من أراد أن يكون معها ، فاجتمع القوم كلَّهم بالمربد : عائشة ومن معها في ميمنته ، وعثمان ومن معه في ميصرته . فتكلَّم طلحة ، فأنصتوا له ، فحمد اللَّه وأثنى عليه وذكر عثمان وفضله وما استحلّ منه [ 2 ] ، ودعا إلى الطلب بدمه ، وحثّهم عليه . وتكلَّم الزّبير بمثل ذلك . فقال من في ميمنة المربد : صدقا وبرّا ! وقال من في ميسرته : « فجرا ، وغدرا ، وأمرا بالباطل ! بايعا عليّا ثم جاءا يقولان ما يقولان ! » وتحاثى [ 3 ] الناس وتحاصبوا [ 4 ] . فتكلَّمت عائشة ، فحمدت اللَّه وأثنت عليه ، وقالت : كان الناس يتجنّون على عثمان ، ويزرون [ 5 ] على عماله ، ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم ، ويرون حسنا من كلامنا في إصلاح بينهم ، فننظر في ذلك فنجده بريّا تقيّا وفيّا ،

--> [ 1 ] المربد : كان من أعظم محال البصرة أسواقها سككها . [ 2 ] في رواية ابن جرير : وذكر عثمان وفضله والبلد وما استحل منه وعظم ما أتى إليه . [ 3 ] تحاثى الناس : تراموا التراب فرماه بعضهم في وجه بعض ولم يذكر أصحاب الصحاح والنهاية واللسان والقاموس وشرحه هذا اللفظ في مادته ، وذكروا « استحثى » لهذا المعنى الذي هو ظاهر في التفاعل ، مثل « تحاصبوا » الآتي ، وسيأتي « تحاثوا » قريبا ، كما جاء هذا اللفظ عند ابن جرير وابن الأثير . [ 4 ] تحاصبوا : تراموا بالحصباء ، أي الحصى . [ 5 ] يزرون : يعيبون .